الإصــلاح
ومقاصـد الشريعـة
فضيلة الشيخ الدكتور
سُليمـان بنْ سليم الله الرُّحيـلي
مجلة الإصلاح، العدد الخامس والثلاثون: جمادى الأولى/ جمادى الآخرة 1434
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾[البقرة: 219].
وكثيرٌ ممَّا ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التَّصوف وأهل الرأي وأهل المُلك حسبوه منفعةً أو مصلحةً نافعًا وحقًّا وصوابًا ولم يكن كذلك)) ([1]).
ويقول رحمه الله: ((وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين... وهذا فصلٌ عظيمٌ ينبغي الاهتمام به؛ فإنّ من جهته حصل في الدِّين اضطرابٌ عظيمٌ... وكثير من الأمراء والعلماء والعبَّاد رأوْا مصالح فاستعملوها بناءً على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشّرع ولم يعلموه، وكثيرٌ منهم من أهمل مصالحَ يجب اعتبارها شرعًا بناء على أنّ الشّرع لم يَرِدْ بها، ففوَّت واجباتٍ ومستحقاتٍ أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمْه)) ([2]).
ومن هنا كان حقًّا على كل من يروم الإصلاح من المسلمين أن يُحكِم أقواله وأفعاله بشرع ربِّ العالمين، وأن يكون صالحا في نفسه، صالحا في قصده، صالحا في وسائله التي يتبعها للوصول إلى الإصلاح، ولا يتحقق ذلك إلا بمراعاة مُرادات ربِّ العالمين التي تسمَّى مقاصدَ الشَّريعة، وهي الحِكَم التي أرادها الله -عز وجل- من التشريعات عموما وخصوصا لتحقيق عبوديته وإصلاح العباد في المعاش والمعاد.
وقد رأيت في هذه المقالة أن أشير إلى بعض مقاصد الشريعة الكلية التي تحكم الإصلاح وتُبقيه في مساره المحمود؛ فإنّ طريق الإصلاح إذا لم يُحكَم بهذه المقاصد وتُرك لإرادات الناس وعواطفهم ستزلّ فيه الأقدام وتضلّ الأفهام، ولن يصل فيه الناس إلى المراد، ولن يُحكَم؛ بل كلما ظن صاحبه أنه أحكمه تمزّق من جهة أخرى، فلا يصلح الحال ولا يستقر، وقد جعلت مقالتي في قسمين:
- القسم الأول: مقاصد الشريعة الكلية الحاكمة للإصلاح.
- القسم الثاني: عرض لأشهر وسيلتين بشرِيَّتيْن للإصلاح في وقتنا المعاصر في ضوء المقاصد.
القسم الأول:
مقاصد الشَّريعة الكليَّة التي تحكم الإصلاح
وهذه المقاصد تُحكِم الإصلاح وتحقِّقه ويُحكَم بها على الإصلاح وهي:· الأول. الإصلاح من مقاصد الشَّرع الكبرى:
الإصلاح مراد الله -عز وجل-:﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾[الأعراف: 170]، وذمَّ الله سبحانه وتعالى الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[البقرة: 27 ]،
وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾[الرعد: 25 ]، وقال سبحانه:﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾
[الشعراء: 151 - 152]، والملائكة الأبرار يخشون وقوع الإفساد في الأرض قال الله -عز وجل-:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 30]،
والإصلاح مراد أنبياء الله، قال تعالى عن شعيب عليه السلام - وهو حال جميع الأنبياء :﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ﴾[هود: 88 ]
وإذا كان ذلك كذلك فإنَّه يلزم من يروم الإصلاح أن يتمسك بشرع الله -عز وجل- وأن يتَّبع منهج الأنبياء في الإصلاح، يقدم ما يقدمون، ويؤخر ما يؤخرون وإلا كان من المفسدين.
· الثاني. مقصود الشارع من الحق أن يحفظ عليهم ضرورياتهم:
يقول الغزالي: ((ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة)) ([3]).
ويقول الشّاطبي: ((تكاليف الشّريعة ترجع إلى حفظ إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضروريةً، والثَّاني أن تكون حاجيَّة، والثَّالث أن تكون تحسينيَّة))([4])؛ ثم قال: ((ومجموع الضروريات خمسةٌ وهي: حفظ الدِّين والنفس والنسل والمال والعقل، وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة)) ([5])؛ ثم قال: ((المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية، فلو فُرض اختلال الضروري بإطلاقٍ لاخْتَلاَّ باختلاله بإطلاق)) ([6]).
وهذه الضروريات الخمس الذي دل الإستقراء التام على حفظها أعلاها حفظ الدِّين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ النسل على الصحيح، ثم حفظ العقل، ثم حفظ المال.
وعليه؛ فإن كل دعوة للإصلاح أو وسيلة للإصلاح تتضمن تضييع الضروريات أو تقديم المؤخر منها لا تكون في الميزان الصحيح إصلاحا، بل هي إفساد يجب هدمه، ومنكر يجب إنكاره.
· الثَّالث. مقصود الشارع تحصيل المصالح ودرء المفاسد:
الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد في الدين والدنيا والآخرة، فما أمر الله بشيء إلا وفيه من المصالح ما لا يحيط به الوصف، ولا نهى عن شيء إلا وفيه من المفاسد ما لا يحيط به الوصف ([7])، يقول ابن الحاجب: ((الأحكام شُرعت لمصالح العباد بدليل إجماع الأمّة)) ([8])، ويقول القرطبي: ((لا خلاف بين العقلاء أنّ شرائع الأنبياء قُصِد بها مصالح الخلق الدِّينية والدنيويَّة)) ([9])، ويقول الآمدي: ((المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة، فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة)) ([10])، ويقول: ((المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين)) ([11]).
وهذا باب عظيم يجب ضبطه فكم من خائض في باب المصالح والمفاسد متجرِّئ على دين الله غير مُتَّبع فيها ضابطا شرعيا، وغيْر مُحكِّم أصلاً مرعيًّا، وهناك قواعد عظيمة في باب المصالح والمفاسد يجب إعمالها، وهي ([12]):
- إذا تزاحمت المصالح قُدِّم الأعلى منها ([13]).
- وإذا تزاحمت المفاسد ارتُكِب الأخفُّ منها ([14]).
- وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما ([15]).
- ودرء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح ([16]).
والإصلاح هو مطلب الصلاح وهو طلب المصالح والمنافع؛ فيجب أن يكون متقيِّدا بهذه القواعد العظيمة، وكل ما خالفها فهو إفساد وليس إصلاحا ولابد أن يكون في طلب الإصلاح والتغيير مصالح أعظم من المفاسد.
أما إن كانت مفاسده مساوية للمصالح أو أعظم منها فهذا إفسادٌ وليس إصلاحًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن الخروج عن ذي السلطان: ((وقلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشِّر أعظمُ ممّا تولَّد من الخير،... وغاية هؤلاء إمّا أن يُغلبوا وإمّا أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبةٌ... فلا أقاموا دينًا ولا أبقوْا دينا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة)) ([17]).
ويقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-: ((الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادا كبيرًا، وشرًّا عظيما، يختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسَّر ردعُ الظّالم، ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فسادٌ عظيمٌ، وشرٌّ كثيرٌ، إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شرًّا أكثر فليس لهم الخروج، رعايةً للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية الُمجمَع عليها: (أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه)، أما درء الشرِّ بشرٍ أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا عندها قدرة تزيله بها، وتضع إماما صالحا طيبا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين، وشرٌّ أعظم من شرِّ هذا السلطان فلا بأس أما إذا كان الخروج يترتب عليه فسادٌ كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال... إلى غير هذا من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجب الصبر، والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير، هذا هو الطريق السويّ الذي يجب أن يُسلك؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامَّةً؛ ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير؛ ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شرٍّ أكثر))([18]).
· الرابع. مقصود الشَّارع حصول الجماعة واجتماع الكلمة:
من أعظم مقاصد الشريعة انتظام أمر الجماعة واتحاد الكلمة، والجماعة رأس الخير فلا دين إلا بجماعة ولا عزَّ إلا باجتماع الكلمة؛ يقول الله -عز وجل-:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[آل عمران: 103]، ويقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (( منْ خرج من الطَّاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهليةً، ومن قاتل تحت راية عُميَّةٍ يغضب لعَصَبةٍ أو يدعو لعَصَبةٍ أو ينصرُ عَصَبةً فقُتِل فقِتْلةٌ جاهليةٌ، ومنْ خَرجَ على أُمَّتي يضربُ بَرَّها وفاجرها ولا يتحاشَ مِنْ مُؤمِنها، ولا يفي لذي عهدٍ عهدَه فليْس منِّي ولستُ منْهُ)) ([19])، ويقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: ((أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبلُ الله الذي أمر به، وإنَّ ما تكرهون في الجماعة خيرٌ مما تحبُّون في الفرقة)) ([20]).
والنصوص في هذا كثيرةٌ جدًّا، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ((ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعاة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم)) ([21])، ويقول -أيضا-: ((ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة)) ([22]).
والإصلاح هو الدعوة إلى الجماعة وإتحاد الكلمة على الحق، وكلُّ دعوة ينخرم بها أمر الجماعة وتفرّق الكلمة المجتمعة على الحقّ ليست إصلاحًا.
· الخامس. مقصود الشَّارع العدل:
العدل واجب على كل مسلم، يقول الله -عز وجل-:
﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
﴾
[الأنعام: 152]، ويقول سبحانه:﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
﴾
[المائدة: 8 ]، ويقول سبحانه:﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
﴾
[النساء: 58 ]، ويقول سبحانه:
﴿
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
﴾
[
النحل: 90
]، والعدل مفتاح القلوب، وباب الخير، وعاقبته أصلح عاقبة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ((عاقبةُ الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يُروى: الله ينصُر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينْصُر الدولة الظَّالمة وإنْ كانت مؤمنةً))
([23]).
فالإصلاح لابدَّ أن يكون بالعدل، وكل ما خرج عن العدل إلى الجور والظلم فليسَ بإصلاح.
· السادس. مقصود الشارع رد الأمر إلى أهله:
كلُّ أمر لابدَّ أن يردَّ إلى أهله المحسنين له، ويعظمُ الأمر فيما يتعلقّ بأمور المسلمين العامّة، يقول الله -عز وجل- في شأن المنافقين:﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]، وإذا أُسند الإصلاح إلى الشّارع والشّباب وغوغاء الناس فلن يأتي بخير في عاجل الأمر وأجله.
القسم الثــــاني:
عرض لأشهر وسيلتين بشريَّتَيْن للإصلاح في وقتنا المعاصر في ضوء المقاصد
شُغل الناس في الآونة الأخيرة بوسيلتين بشريَّتيْن اتخذهما بعض الناس للتغيير والإصلاح، وهما: المظاهرات والإضرابات.ورأيت عرض هاتين الوسيلتين على مقاصد الشريعة.
أمّا المظاهرات: فهي تَجمهُر أخلاط من الناس في الميادين والسّاحات العامّة للمطالبة بما يرونه.
وأمّا الإضرابات: فهي الكف عن العمل ونحوه مما هو مطلوبٌ من الإنسان لغيره للمطالبة بأمرٍ أو للاعتراض على أمر، وقد يكون معه اعتصام وهو لزوم مكان معين للمطالبة بأمر أو للاعتراض على أمر.
وقد أفتى أكثرُ أهل العلم الذين يحقّ لهم الفتوى في أمور المسلمين العامة بما يشبه الاتّفاق بتحريم المظاهرات معلِّلين بعللٍ كثيرةٍ معتبرةٍ تعود إلى عللٍ كليَّة هي: التّعليل بأنها بدعةٌ محدثةٌ، والتّعليل بأنها من التَّشبه بالكفار، والتّعليل بأنّها وسيلةٌ لم يرد الشّرع بنوعها ولا بجنسها، والتعليل بأنّها من الخروج على ولي الأمر، والتّعليل بأنّها لا تخلو من أضرارٍ كبيرةٍ.
=============================================
إنَّ المظاهرات ليستْ من منهج الأنبياء، ولم يدع إليها أنبياء الله فليست من منهج المصلحين، وفيها مفاسدٌ عظيمةٌ لازمةٌ غير منفكةٍ؛ إذِ المظاهرات بمختلف أنواعها قائمةٌ على اجتماع أخلاط النّاس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، فيقع فيها من المفـاسد ما الله به عليم.
=============================================
وغرضي من ذكرها في هذه المقالة عرضها على مقاصد الشّريعة الكليّة التي ذكرتها هنا فأقول:إنَّ المظاهرات ليستْ من منهج الأنبياء، ولم يدع إليها أنبياء الله فليست من منهج المصلحين، وفيها مفاسدٌ عظيمةٌ لازمةٌ غير منفكةٍ؛ إذِ المظاهرات بمختلف أنواعها قائمةٌ على اجتماع أخلاط النّاس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، فيقع فيها من المفـاسد ما الله به عليم.
=============================================
إنَّ المظاهرات ليست من منهج الأنبياء، ولم يدع إليها أنبياء الله فليست من منهج المصلحين، وفيها مفاسدٌ عظيمةٌ لازمةٌ غير منفكةٍ؛ إذِ المظاهرات بمختلف أنواعها قائمةٌ على اجتماع أخلاط الناس بمختلف فئاتهم وثقافاتهم، فيقع فيها من المفاسد ما الله به عليم، إذِ المظاهرات عند اشتدادها لا تحترم نفسًا ولا عرضًا ولا مالاً، ولا يمكن ضبط النفوس فيها، فيقع فيها اختلال الأمن، وجرأة أهل الشرّ، واختلاط الرجال بالنساء في أقبح صوره، والتَّحرش بالأعراض، وإتْلاف الأموال العامة والخاصة، وإضعاف الجبهة الداخلية مما يسمح لأعداء الأمة بتمرير مخططاتهم وتحقيق أهدافهم، مع ما فيها من الحرص على رفع الشعارات التي تُرضي العامة والمجتمع الدولي، وهي في الغالب تخالف شرع الله حتى إنك تجد أن من كان يدعو قبل المظاهرات إلى أمور محمودة يُسقط تلك الدعوات ويجعل محلها شعارات جاهلية، مع ما في المظاهرات من ظهور أنواع الفسق من غناء ورقص وغيرها، وهذا إن لم يحصل من الكل فهو يحصل بحضور الكل، ومن أقبح ما تراه وجود رجال عليهم مظاهر الاستقامة وقد يسمَّوْن شيوخًا يضحكون ويهزُّون رؤوسهم وسط المنكرات، بل ويثنون عل أهل تلك المنكرات ضمنًا، ويصفونهم بأنهم مجاهدون وفخر للأمة، وفي غالب الأحيان يحصل فيها قتل وجروح؛ لأنها احتكاك بين طرفين في مواجهة مباشرة فيصعب ضبطها والسيطرة على أهل المظاهرة؛ ولأنّ التجمعات والشعارات تدفع العواطف إلى الاشتعال، والنفوس إلى الانفعال وسرعة تصديق الشائعات، ولو نظرنا إلى فتنة قتل الخليفة الراشد العادل المبشَّر بالجنة عثمان بن عفان ﭬ لوجدناها نَتاج ما يُشبه هذه المظاهرات، زدْ على ذلك أنّ فيها مفاسد الخروج على ولي الأمر التي نص عليها أهل السُّنة والجماعة، كما أنّ فيها مخالفة الواجب على المسلمين عند جور الحاكم من الصبر، والدعاء له، ومناصحته، والواقع شاهدُ صدقٍ لكل هذا، ففي المظاهرات تحصيل المفاسد وتعطيل المصالح، وذلك مضاد لمقاصد الشريعة، كما أن في المظاهرات ظلم النفس وظلم العباد، وفيها تفريق الكلمة وهدم الجماعة ونقض البيعة، فهي مخالفة لمقاصد الشريعة الكلية.
والإضرابات تشترك مع المظاهرات في كثيرٍ ممّا ذكرناه، وهي شرارة المظاهرات، فمقاصد الشريعة تأبى أن تكون المظاهرات والإضرابات من وسائل الإصلاح.
وفي الختام أسأل الله أن يلهمنا رشدنا أجمعين، وأن يجعلنا من المصلحين، وأن يرزق بلاد المسلمين أجمعين الأمن والأمان واجتماع الكلمة على الحق والهدى، وأن يعيذنا والمسلمين من شرِّ الفتن ما ظهر منها وما بطن.
هذا ما تيسَّر إعداده وبيانه وإيراده وصلى الله وسلم على خير أنبيائه وعباده.
_______________________________
([1] )((مجموع الفتاوى))(11/345.344).
([2] ) (( مجموع الفتاوى )) (11/344.343).
([3] ) (( المستصفى )) (2/481. 482).
([4] ) (( الموافقات )) (2/17).
([5] ) المصدر نفسه (2/20).
([6] ) المصدر نفسه (2/31).
([7] ) انظر (( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية )) (10/512) و(32/233) و(( إعلام الموقعين )) (3/3) و((الموافقات)) (2/9) و((السَّيل الجرَّار )) (1/144) و(( رسالة في القواعد الفقهية )) للسَّعدي (15).
([8] ) (( منتهى السُّول والأمل )) (184).
([9] ) (( تفسير القرطبي )) (2/64).
([10] ) (( الإحكام )) (3/760).
([11] ) المصدر نفسه (3/765).
([12] ) انظر تفسير هذه القواعد في كتابي (( قواعد تعارض المصالح والمفاسد )).
([13] ) انظر ((الذخيرة )) (5/231) و(( مجموع الفتاوى)) (20/4 و(( فتح الباري)) (1/259) و(( قواعد الأحكام )) (1/53) و(( القواعد )) للمقري (2/60.
([14] ) انظر (( الذخيرة )) (2/453) و(( قواعد الأحكام )) (1/63) و((المنثور)) (1/34 و((الأشباه والنظائر)) للسبكي (1/45) و((القواعد)) للمقري (456).
([15] ) انظر (( مجموع فتاوى ابن تيمية )) (28/129) و(( الذخيرة )) (1/19 و(( إعلام الموقعين )) (2/62).
([16] ) انظر ((الأشباه والنظائر )) للسبكي (1/105) و((شرح الكوكب المنير )) (4/447) و(( الأشباه والنظائر )) لابن نجيم (90) و(( إيضاح المسالك )) (219).
([17] ) (( منهاج السنة النبوية )) (4/52.
([18] ) (( مجموع فتاوى ومقالات متنوعة )) (8/203).
([19] ) رواه مسلم (184.
([20] ) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف )) (37337) والطبراني في(( الكبير )) (9/19، والحاكم في (( المستدرك )) (4/555) وصححه ووافقه الذهبي.
([21] ) (( مجموع الفتاوى )) (1/17).
([22] ) المصدر نفسه (28/12.
([23] ) (( مجموع الفتاوى )) (28/63).
__________
[مجلة الإصلاح، ص: 26- 30]
تعليق