تأليف ابن هشـام الأنصـاري
أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية
تحقيق د/ حسن موسى الشاعر
لقد صنف علماؤنا القدامى كثيرا من الرسائل في بيان معنى لا إله إلا اللّه وفي إعرابها. وقد اطلعت في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة على عدد من الرسائل المخطوطة في ذلك، وهي:
- رسالة في إعراب لا إله إلا اللّه. لابن هشام الأنصاري. المتوفى سنة 761 هـ.
- رسالة في إعراب لا إله إلا اللّه. للزركشي المتوفى سنة 794هـ.
- رسالة في إعراب لا إله إلا الله. وتسمى التجريد في إعراب كلمة التوحيد لمصنفها علي بن سلطان القاري. المتوفى سنة 1014هـ.
- إنباه الأنباه على تحقيق إعراب لا إله إلا اللّه، لمصنفها إبراهيم بن حسن الكوراني، المتوفى سنة 1101هـ.
ولم يطبع من هذه الرسائل- فيما أعلم- سوى رسالة واحدة بعنوان "معنى لا إله إلا الله"للإمام الزركشي.
وهذه رسالة أخرى أقـوم بتحقيقها في إعراب لا إله إلا الله، منسوبة إلى ابن هشام الأنصاري، اطلعت عليها في قسم المخطوطات بمكتبة عارف حكمت، فرأيتها تشتمل على فوائد قيّمة وتوجيهات عديدة لم أجدها في غيرها من المصنفات. وهذا ما دعاني إلى الاهتمام بها وتحقيقها، على الرغم من أنها نسخة فريدة.
وقد عانيت كثيراً في إقامة النص، وتقويم العبارات المضطربة، وشرح الوجوه المختلفة، ونسبة الآراء إلى أصحابها. ولا أدّعي الكمال في ذلك، وحسبي أنني بذلت جهدي.
واللّه أسأل أن يوفقنا ويسدد خطانا، ويهدينا سواء السبيل، والحمد للّه رب العالمين.
ابن هشام الأنصـاري
هو أبو محمد عبد اللّه بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري جمال الدين المشهور بابن هشام [1] .
ولد في القاهرة خامس ذي القعدة سنة 708 هـ، وتلقّى على عدد من علماء عصره، حتى فاق أقرانه، وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم.
قالت ابن خلدون: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه".
وقد ترك ابن هشام عددا من المصنفات ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، ومن أشهر مصنفاته: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، شرح شذور الذهب، شرح قطر الندى، شرح اللمحة البدرية، التذكرة.
وقد توفي ابن هشام ليلة الجمعة خامس ذي القعدة سنة 1 6 7 هـ. رحمه اللّه.
نسبة هذه الرسالة إلى ابن هشام:
اطلعت على هذه الرسالة، منسوبة إلى ابن هشام، في مخطوطة فريدة، بمكتبة عارف حكمت، برقم (8 مجاميع. وقد ورد في هذه المخطوطة نسبتها إلى ابن هشام مرتين، مرة في العنوان، ومرة في مقدمة الرسالة.
ولم أجد أحدا ممن ترجم لابن هشام ذكر له هذه الرسالة، ولم أعثر على نسخة أخرى تؤكد نسبتها إليه.
ولكّن الدكتور علي فودة نيل يؤكد نسبتها إلى ابن هشام للأسباب التالية: (ملخصة):
1- أن ما جاء في مقدمتها من قول المؤلف "أما بعد حمد اللّه..."هو المألوف في تقديم معظم مصنفاته.
2- أن منهج التأليف في هذه الرسالة من العرض الشامل للآراء المختلفة ومناقشتها لبيان الراجح والمرجوح شبيه بمنهج ابن هشام.
3- أن بعض ما ذكر في هذه الرسالة من آراء مذكور في كتاب المغني.
4- أن الاعتـداد في هذه الرسالة بآراء بعض العلماء السابقين، كابن عمرون، ملحوظ في بعض رسائل أُخر لابن هشام [2] .
ومما يقوي نسبتها إلى ابن هشام أنها ضمن مجموعة من الرسائل مكتوبة بخط عالم مشهور، هو العلامة محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي، وهو فقيه حنبلي مصري توفي سنة 1088 هـ [3] .
وعلى الرغم من قوة الأسباب التي تنسب هذه الرسالة إلى ابن هشام، فإنّي لست على ثقة من نسبتها إليه، ومما رابني في ذلك أمور، منها:
1- أن هذه الرسالة لم ترد في مصنفات ابن هشام، ولم يذكرها أحد ممّن ترجم له.
2- أن هذه الرسالة تشير إلى علاقة طيبة بين مصنفها وأبي حيان النحوي الأندلسي المشهور. فقد قال فيها المصنف: "وكنت عرضت هذا النظر على شيخنا أبي حيان، فقال...".
ومن المعروف أن ابن هشام لم يكن على وفاق مع أبي حيان، بل كان كثير المخالفة له، شديد الانحراف عنه [4] .
ومهما يكن من أمر فستبقى هذه الرسالة تذكر لابن هشام حتى يثبت خلاف ذلك بأدّلة قاطعة. واللّه أعلم.
موضوع الرسالـة
هذه رسالة قيّمة تكتسب قيمتها من أهمية الموضوع الذي تعالجه، وهو إعراب الاسم الواقع بعد إلا من كلمة التوحيد، في قولنا: "لا إله إلا اللّه".
وقد ذكر المصنّف في هذه الرسالة جواز الرفع والنصب في الاسم الواقع بعد "إلا"من كلمة التوحيد، فقال: يجوز الرفع فيما بعد إلا والنصب. والأول أكثر، نص على ذلك جماعة منهم العلامة ابن عمرون في شرحه على المفصّل. وظاهر كلام ابن عصفور والأبذيَ يقتضي أن النصب على الاستثناء أفصح، أو مساو للرفع على بعض الوجوه...
وقـد فصّـل المصنّف كثيرا في بيان أوجه الرفع والنصب، مع المناقشة والاستدلال والترجيح، فذكر للرفع ستة أوجه وللنصب وجهين. وهذا موجز للأوجه المختلفة:
فأما الرفع فمن ستة أوجه، وهي:
1- أن خبر "لا"محذوف، و"إلا الله"بدل من موضع لامع اسمها، أو من موضع اسمها قبل دخولها. وهذا هو الإعراب المشهور لدى المتقدمين وأكثر المتأخرين.
2- أن خبر لا محذوف، كـما سبق، والإبدال من الضمـير المستكن فيه. وهـذا الإعراب اختاره بعض.
3- أن الخبر محذوف أيضا، و"إلا اللّه "صفة لـ "إله"على الموضع، أي موضع لا مع اسمها، أو موضع اسمها قبل دخول "لا".
4- أن يكون الاستثناء مفزعا، و"إله"اسم "لا"بني معها، و"إلا اللّه"الخبر. وهذا الإعراب منقول عن الشلوبين، ونقله ابن عمرون عن الزمخشري.
5- أن "لا إله"في موضع الخبر، و"إلا اللّه"في موضع المبتدأ. وهذا الإعراب منسوب للزمخشري.
6- أن تكـون "لا"مبنية مع اسمهـا، و"إلا الله"مرفوع بـ "إلـه"ارتفاع الاسم بالصفة، واستغني بالمرفوع عن الخبر، كـما في مسألة: ما مضروبٌ الزّيدان، وما قائِمٌ العَمْران.
وأما نصب ما بعد "إلا"فمن وجهـين:
1- أن يكون على الاستثناء، إذا قدر الخبر محذوفا، أي لا إله في الوجود إلا اللّه عز وجل.
2- أن يكون الخبر محذوفا، كـما سبق، و"إلا اللّه" صفة لاسم "لا"على اللفظ، أو على الموضع بعد دخول "لا"لأن موضعه النصب.
ثم ختم المصنف الرسالة بقوله: وقد تلخّـص في "لا إله إلا اللّه"عشرة أوجه، غير أن في البدل من الموضع إما من موضع اسم لا قبل الدخول، وإما من لا مع اسمها، فيتقدر سبعة. والنصب من وجهين إلا أن في وجه الصفة إما أنه صفة للفظ اسم لا إجراء لحركة البناء مجرى حركة الإِعراب، وإما أن يكون صفة لموضعه بعد دخول لا، فيتقدر ثلاثة مع السبعة، فتلك عشرة كاملة. والذي في كلام ابن عصفور من ذلك أربعة أوجه، وهو أكثر من وسع في إلا من الأوجه...
دراسة للاسم الواقع بعد إلاّ في الشواهد اللغوية
بعد الفراغ من تحقيق هذه الرسالة، قمت بدراسة وصفية، تتبعت فيها ما أمكن من الشواهد اللغوية لحالات الاسم الواقع بعد إلا، في نصوص القرآن الكَريم والحديث النبوي والشعـر العربي التي جاءت على نمط "لا إله إلا الله"، للمقارنة بين الواقع اللغوي لهذه النصوص، وما ورد في هذه الرسالة من جواز الرفع والنصب، فكانت النتيجة أن رفع الاسم الواقع بعد إلا هو الفصيح الغالب في اللغة، بل لم يرد في القرآن الكَريم والحديث النبوي غيره، وأما النصب فقد ورد في بعض الأبيات الشعرية على قلّة.
وقد جاءت الدراسة على النحو التالي:
(1) في القرآن الكريم : تتبعت الآيات القرآنية التي وردت فيها "لا إله إلا الله"أو ما كان على وفق هذا الأسلوب، فوجدتها كلها جاءت برفع الاسم الواقـع بعد "إلا"، ولم تأت قراءة واحدة، ولو شاذة؟ بالنصب.
وهذه هي الآيات مع السور التي وردت فيها في القرآن الكريم:
أ- {لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه} : الصافات (35)، محمد (19).
ب- {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} : البقرة (163 ، 255)، آل عمران (2، 6، 8 1)، النسا ء (87) والأنعـام (102 ، 106)، الأعراف (15، التوبـة (31، 129)، هود (14)، الرعد (30)، طه (8، 9، المـؤمنـون (116)، الـنـمـل (26)، القصص (0 7، 8، فاطر (3)، الزمر (6)، غافر (3، 62، 65)، الدخان (، ا لحشر (22، 23)، التغابن (13)، المزمل (9).
جـ_ {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا} : النحل (2)، طه (14)، الأنبياء (25).
د- {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ} : الأنبياء (87).
هـ _ {فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} : الأنعام (17)، يونس (107).
ق قال أبو جعفر النحاس في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [5] : ويجوز في غير القرآن: لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء [6] .
وكرر هذه العبارة بعينها القرطبي عند حديثه عن هذه الآية [7] .
وقال الزجاج [8] : ولو قيل: لا رجل عندك إلا زيداً جاز. ولا إله إلا اللّهَ جاز. ولكن الأجود ما في القرآن، وهو أجود أيضا في الكلام. قال اللّه عز وجل: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [9] . فإذا نصبت بعد إلا فإنما نصبت على الاستثناء.
(2) في الحديث النبـوي:
وردت كلمة الشهادة (لا إله إلا اللّه) في مواضع كثيرة من الحديث، وجاءت كلها بالرفع، ومن ذلك:
أ- في صحيح البخاري، ومعه فتح الباري (1/103)، (129).
ب- في صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 183)، (18، (197)، (206).
جـ- ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الإِقامة إلا المكتوبة".
قال أبو البقاء العكـبري [10] : الوجه هو الرفع على البدل من موضع لا، والنصب ضعيف، وقد بين ذلك في مسائل النحو، ومثل ذلك: لا إله إلا اللّه.
د- وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا شفاءَ إلا شفاؤك".
قال العكبري [11] : "شفاؤك"مرفوع بدلا من موضع "لا شفاء"ومثله لا إله إلا اللّه.
(3) في الشـعر:
أ- قال الشنفري في لا ميّته:
نصـبـت له وجـهـي ولا كِنّ دُونَـهُ ولا سترَ إلا الأتْحَمِـيُّ المُـرَعْـبَـلُ [12]
قال الزمخشري [13] : "كّن"مبنية مع لا لتضمنها معنى من المقدرة بعد لا. ودونه: في موضـع رفـع، أي لا كنّ استقر دونـه، وهو خبر لا... والأتحمي: بدل من موضع لا واسمها، لأن موضعهما رفع على أنه مبتدأ. وهو مثل قولنا (لا إله إلا اللّه)، كأنه قال: اللّه الإله.
وقال أبو البقاء [14] : الأتحمي: بدل من موضع لا واسمها. لأن موضعها رفع، ومثله قولنا (لا إله إلا اللّه).
ب- وقال الشاعرِ:
إلاّ الضَّـوابِـحَ والأصْـداءَ والبُـومـا [15] مَهـامِـهـاً وخروقـاَ لا أَنـيسَ بها
جـ- وقال آخـر:
أمـرتـكـمُ أمـري بمُنـعَـرجِ الـلّوي ولا أَمْـرَ لِلْمَـعصيِّ إلاّ مُضَـيَّعـاَ [16]
هذان البيتان استشهِـد بهما الرضي [17] على أن النصب بعد إلا فيهما قليل، كـما في قولك: لا أحد فيها إلا زيداَ.
واستشهد سيبـويه بالبيت الثاني منهـما على أن "مضيعـا"نصب على الحال. قال سيبويه [18] كأنه قال: للمعصي أمرٌ مُضَيَّعاَ. كـما جاء: فيها رجلٌ قائماً. وهذا قول الخليل رحمه اللّه. وقد يكون أيضاً على قوله: لا أحد فيها إلا زيداً.
قال ابن السيرافي [19] : يريد أن "مضـيَّعا"قد ينتصب أيضا على غير وجه الحال، على أن يكون مستثنى من "أمر"في قوله "ولا أمر"، كـما استثني زيد من رجل، في قوله: لا رجل فيها إلا زيدا. وكأنه قال: ولا أثر للمعصي إلا أمراً مُضيعا، فحذف المنعوت وقام النعت مقامه.
و وقوال الأعلم [20] (1): ونصف "مضيعا"على وجهين: أجودهما الحال، وحرف الاستثناء قد يدخـل بسم الحـال وصاحبها... والوجه الآخر أنه نصب على الاستثناء بعد النفي، والوجه البدل من موضع لا، كـما أن الرفع على البدل من موضع لا في (لا إله إلا اللَّهُ) أقوى من النصب بالاستثناء.
نسخـة الرسالـة الخطيـة
لهذه الرسالة نسخة خطية فريدة تقع في اثنتي عشرة صفحة، ضمن مجموع يضم 15 رسالة بمكتبة عارف حكـمت برقم 88 مجاميع. وهي الرسالة التاسعة في المجموع، وتقع من ورقة 29- 34. وقد كـتبت بخط نسخي عادي، بخط العلامة محمد بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي الشهير بالخلوتي. وفي الصفحة نحو 27 سطرا وفي السطر 10 كـلمات تقريبا.
وقد ورد في آخر الرسالة الأولى ورقة 3: وعلقه لنفسه أفقر العباد، وأحوجهم إلى عفو ربه العلي محمد بن أحمد البهوتي الحنبلي، في يوم الجمعة المبارك ثاني عشر ذي القعدة من شهور سنة 1038 من الهجرة النبوية.
والنسخـة كاملة واضحة، ولكنها لا تخلو من التحريف والاضطراب والغموض في بعض المواضيع.
وقـد عملت على خدمـة النصر وضبطه وتوثيق محا شيه، والتعليق عليه، ما أمكن، لتوضيح الجوانب الدقيقة لكل مسألة.
وباللّه التوفيق، والحمد للّه أولا وآخرا.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
وبه ثقـتي
قال الشيخ العلامة جمال الدين [ عبد الله بن] [21] يوسف بن هشام الأنصاري، رحمه اللّه تعالى، ونفعنا بتحقيقاته:
أما بعد حمد اللّه، والصلاة على رسوله محـمّد، صلى الله عليه وسلم، فهذه رسالة كـتبتها في إعراب لا إله إلا الله [22] سألني في وضعها بعض الأصحاب، فأجبته مستمداً من الكريم الوهاب.
[جواز الرفع والنصب في الاسم الواقع بعد إلاّ]:
يجوز الرفع فيما بعد إلا، والنصب. والأوّل أكثر [23] .
نص على ذلك جماعة منهم العلاّمة محمد بن [محمد]بن عمرون [24] في شرحه على المفصّل. وظاهر كلام ابن عصفـور [25] والأبـذي [26] يقتضي أن النصب على الاستثناء أفصح [27] ، أو مساو للرفع على بعض الوجوه، كـما سيأتي تقريره.
[أوجـه الرفـع]:
فأما الرفع فمن ستة أوجه:
أولهـا: أن خبر "لا"محذوف، و"إلاّ اللّه"بدل من موضع لا مع اسمها، أو من موضع اسمها قبل دخولها. وقع للنحويين الحَمْلان.
وهـذا الإِعراب مشهـور في كلام جماعة من أكابر هذه الصناعة، قيل أطبق عليه المعربون من المتقدمين وأكثر المتأخرين [28] .
قلت: وقد استشكل من قاعدة أن البدل لا بد أن يصحّ إحلاله في محل المبدل منه، وهو على نيِّة تكرار العامل. ولا يصحّ تكرار "لا"لو قلت: إلا عبد الله في قولك: لا أحد فيها إلا عبد الله. لم يجزْ.
وأجاب الشلوبين [29] بأن هذا في معنى، ما فيها من أحدٍ إلاّ عبدُ اللّه، ويمكنك في هذا الإحلال [30] .
قال ابن عصفور، رحمه اللّه تعالى: وهذا الإشكال لا يتقرر، لأنه لا يلزم أن يحلّ "أحد"الواقع بعد إلاّ، إنـما يلزم تقدير العامل في المبدل منه، والعامل في المبدل منه الابتداء، فإذا أبدلت منه كان
مبتدأ، وخبره محذوف. والتقدير في "لا أحد فيها إلاّ عبد الله: لا فيها [ أحدٌ] إلا عبدُ الله [31] .
وهذا فيه تأمل يظهر بما ذكره النحويون، في مسألة (ما زيدٌ بشيءٍ إلا شيءٌ لا يعبأ به) من أن "إلاّ شيء"بالرفع لا غير على اللغتين [32] .
أما عند بني تميم فلأنّ (بشيء) في محل رفع، وتعذّر حمله على اللفظ [33] لأن الباء لا تزاد في الإيجاب.
وأمـا عنـد أهل الحجاز فلأنهم وإن أعملوا ما، و"بشيء"في محل نصب عندهم، فإعمالها مشروط بعدم انتقاض النفي. فـما بعد "إلا"لا يمكن تقدير عملها فيه، والبدل على نية التكرار، ولذلك قال سيبويه [34] : وتستوي اللغتان [35] .
وقد زعم ابن خروف [36] أن مراده بالاستواء فيما قبل إلاّ وفيما بعدها من المستثنى والمستثنى منه.
قال ابن الضائع [37] : "وغلط الأستاذ أبو علي [38] في النقل عنه، فنقل الاستواء فيما بعد إلاّ، لا فيما بعد المجرور، حتى يرد عليه بأنه لا يجوز بدلا مرفوع من منصوب".
قال ابن الضائع: وعِندي أن القياس أن يبقوا على لغتهم في المجرور، وإلا كان يلزم الرفع في قولنا: ما زيدٌ قائـماَ بل قاعدٌ ، وكذا في لكنْ. ولم ينقل عن الحجازيين رجوعهم إلى اللغة التميمية في ذلك. وإنـما نقل عنهم الرفع فيما بعد بل ولكن على جهة الابتداء. [39] فهاهنا ينبغي أن يرجع فيما بعد "إلا"على النصب على الاستثناء. فقول سيبويه: استوت اللغتان في الرفع، ينبغي أن يحمل على ما بعد إلاّ. ولا حجة لهم في قول سيبويه: وصارت "ما"على أقيس اللغتين [40] ، فإنه يمكن حمله على ما بعد إلاّ، كما قالوا في: ما زيد إلا منطلق، رجعوا إلى اللغة التميمية.
ويقوّى أنه يريد ما بعد إلاّ، تقديره وقوله: كأنك قلت: ما زيد إلا شيء لا يعبأ به [41] .
وقـول الأستـاذ "لا يبـدل مرفوع من منصوب"، جوابه أن البدل هنا بالحمل على المعنى [42] . فإن الشرط في البـدل تقدير تكرار العامل، فإن العامل يتكرر على أن البدل مرفوع. ويظهر البدل هنا في أنه لا يعمل فيه اللفظ المتقدم العامل في المبدل منه، بل الابتداء قولهم "لا إله إلا اللّه"، ألا ترى أنه بدل على تقدير مالنا أو ما في الوجود. ولا يجوز تقدير لا في الوجود إلا اللّه، لأن "لا"لا تلغى إلا مكررة [43] . وكذا البدل هنا على تقدير: ما زيد إلا شيء. وكأن "ما"لها عملان، عمل فيما بعد إلا وهو الرفع، وعمل فيما قبلها وهو النصب، فترك الأول على أحد العملين، وحمل الثاني، وهو ما بعد إلا، على العمل الآخر. انتهى [44] .
وفي كلامه نظران:
الأول: قوله "ولا يجوز تقدير لا في الوجود إلا اللّه "ليس معنا في اللفظ إلاّ "لا" واحدة وهي عاملة. نعم إذا أعربناه على ما سبق بدلا نوينا تكرار لا، وانتفى عمل تلك المقدرة بالدخول على المعرفة. ومن أين لزوم التكرار لتلك المقدّرة. ولو قيل إنها تكررت في الجملة كان كافيا في جوابه.
الثاني : جعله باب "لا إله إلا اللّه "وباب "ما زيدٌ بشيءٍ إلا شيء"سواء. ولقائل أن يقول بينهما فرق، بأن "اللّه "مرفوع بدلا من منصوب.
وقد يعتذر له عن الثاني بأن "إلا اللّه "بدل من موضع اسم لا، لا من "لا"مع اسمهـا [45] . بل لا يفتقر إلى ذلك جميعه، فإن العامل المقدر مع البدل هو الابتداء، وهو صالح للعمل في البدل والمبدل منه، كـما تقدم في كلام ابن عصفور.
وقد رأيت في المجد المؤثل مما كتبته على المفصّل [46] أن الرفع في "ما زيد بشيء إلا شيء"يحتمل [47] ثلاثة أوجه: إما البدل من جهة المعنى كـما سبق، وإما على موضع "بشيء" قبل دخول "ما"، و إما على أن الرفع في الثاني هو الرفع في الأول، لو اتصف الأول بصفته من الإِثبات. وشبهت ذلك بمسألة التنزيل في توريث ذوي الأرحام في الفرائض [48] ، أي إعطاء الذكر ما للأنثى التي أدلى بها [49] ، وبالعكس، مع مراعاة العدد منه نفسه، فليتأمل.
ثانيها: أن خبر "لا"محذوف، كـما سبق، والإبدال من الضمير المستكن فيه. وهذا لا كلفة فيه، واختاره بعض المتأخرين [50] .
ثالثها: أن الخبر محذوف كـما سبق، و"إلا اللّه "صفة لإله على الموضع [51] ، أي موضع لا مع اسمها، أو موضع اسمها قبل دخول "لا".
ولا يستنكرون وقوع "إلا" صفة [52] ، فقد جاء {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [53] . ويصير المعنى: لا إلهَ غير اللّه في الوجود. وقد جاء {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [54] بالوصف، لكنّ الخبر المحذوف قدّره بعضهم "في الوجود"، وقدّره بعضهم "كائن"، وبعضهم "لنا".
قيل والتقديران الأولان أولى من حيث كونه أدل على التوحيد المطلق من غير تقييد. ولذلك جاء {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وأعقب بقوله {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [55] .
وقد يقال إذا قدِّر "لنا"فالمراد لنا أيها العالَم الذي هو كل موجود سوى اللّه عز وجل، فاتحدت التقادير [56] .
وقـد ردّ الإمـام فخر الدين [57] على من قدر الخبر "في الوجود"لأن هذا النفي عام
مستغرق، فتقييده بالوجود مخصص، فلا يبقى النفي على عمومه المراد منه، فلا يكون هذا إقرارا بالوحدانية على الإطلاق [58] .
قال الأنـدلسي [59] : "لا إلـه حقيقة إلا من له الخلق والأمر، لابد أن يكون موجودا فينعكس بعكس النقيض فـما ليس موجودا ليس بإله. والمراد بقوله "في الوجود"مسمى الوجود الصادق على العيني والذهني، فنفي الإله عن الوجود نفي لحقيقته".
وفي ريّ الظمآن [60] : "لا يتصور نفي الماهية عندنا إلا مع الوجود. هذا مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة فإنهم يثبتون الماهية عارية عن الوجود، والدليل يأبى ذلك".
رابعها: أن يكون الاستثناء مفرغا [61] ، و"إله "اسم "لا"بني معها، و"إلاّ اللّه "الخبر [62] .
و هذا منقول عن الشلوبيـن فيما علّقه على المفصل، ونقله عن الزمخشري [63] في حواشيه ابن عمرون، وإن كـان في المفصل قال غيره، وذهب إلى أن الخبر محذوف [64] .
ومقتضى كلام ابن خروف، على ما نقله عنه ابن الضائع قول الشاعر:
ألا طعـان ألا فُرسـانَ عاديةً ألا تجشّـؤُكم حوَلْ الـتـنَّـانـير [65]
من أنه أعرب ( إلاّ تجشؤكم) خبر لا، لكن ردّه عليه بوجهين، أحدهما: أن "لا"لا تعمل في الموجب. الثاني: أنها لا تعمل في الموجب مع المعرفة، وهما لازمان لإعراب "إلاّ اللّه "خبرا.
وفي الوجهين نظر، لأنّ "لا "عند سيبويه وجمهور البصريين [66] لا عمل لها في الخبر إذا بني الاسم معها.وقولك لا رَجُلَ حاضرٌ، بمثابة: هل مِنْ رجلٍ حاضر؟ الجواب كالسؤال.
واستدل لذلك ابن عصفور في شرحه للإيضاح بجواز حمل جميع التوابع لاسمها على الموضع قبل الخبر.
والقائل إن "لا"ترفع الخبر الأخفش [67] وتابعوه.
وبنى ابن عصفـور على الاختلاف جواز: لا رجـلَ ولا امرأة قائـمان. على القول
الأول، وامتناعه علىَ الثاني [68] . مع أن كلام أبي البقاء [69] في اللباب، وابن يعيش [70] في شرح المفصل ما يوهم أن خلاف سيبويه والأخفش في "لا"مطلقا المبني معها الاسم والمعرب، حيث عللا مذهب سيبويه بضعف عمل لا.
ولكن ابن مالك [71] في التسهيل [72] نقل الاتفاق على عمل "لا"في الخبر إذا كان اسمها معربا، واختار قوله الأخفش فيما إذا بني الاسم معها.
يتبع.....
تعليق