إذًا انظر إلى هذه المدّة التّي يقضيها التّي يقضيها المتعلّم وانظر إلى المدد عند السّابقين وقد أُدرك هذا السّبب وعُلم في هذه الآونة الأخيرة: الأوّلون كان يشتغل الواحد بالكتاب حتّى يُتمّه في الفنّ. فإذا أراد أن ينتقل في فنّه إلى كتاب آخر أو أوسع منه فعل أو انتقل إلى فنّ آخر وأخذ فيه كتابًا من أوّله إلى آخره. تمرّ عليه مسائل الكتاب كاملة، مسائل الفنّ كاملة. فهذا الذّي حصّلوا بسببه.
الشّيء الثّاني من الأسباب هو هجر الرّاحة فإنّ من عرف قدر المطلوب يحقر ما بذل كما قال ابن الوردي وقال أيضا:
واهجر الرّاحة في تحصيله*** لا يستطاع العلم براحة الجسد
أخذها من أين؟
نبغى نام خمس وعشرين ساعة ونتعلّم؟ ما يمكن ( واهجر الرّاحة في تحصيله) ويقول في الميميّة :
وادأب بعزم قويّ لا انثناء له*** لو يعلم المرء قدر العلم لم ينَمِ
فهذان السّباب من أعظم الأسباب: التّقلّل من الدّنيا حتّى لا تشتغل وتُشغلك والثّاني بذل ما تستطيع وتجتهد في التّحصيل.
الجَدُّ في الجِدِّ والحرمان في الكسل**** فانصبْ تُصِبْ عنْ قريبٍ غايةَ الأملِ
الجَدُّ: الحظّ (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) فالجدّ هنا الحظّ. فيقول لك هنا الحظّ في الجِدِّ، ما تحصّل حظّك الذّي تطلبه وتنشده إلّا بالجدّ بعد توفيق الله فالجَدُّ في الجِدِّ والاجتهاد والحرمان في الكسل. فانصب: اتعب، تُصب عن قريب غاية الأمل.
*** عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:(إنكم تزعمون أنَّ أبا هريرةَ يكثرُ الحديثَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . واللهُ الموعدُ . كنتُ رجلًا مسكينًا . أخدم رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مِلْءِ بطني . وكان المهاجرون يشغَلُهم الصَّفقُ بالأسواقِ . وكانت الأنصارُ يشغَلُهم القيامُ على أموالِهم . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " من يبسط ثوبَه فلن ينسى شيئًا سمعه مني " فبسطتُ ثوبي حتى قضَى حديثه . ثم ضممتُه إليَّ . فما نسيتُ شيئًا سمعتُه منه ). وفي روايةٍ : لم يذكر في حديثه الروايةَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " من يبسط ثوبَه " إلى آخرِه .
الراوي:أبو هريرة المحدث:مسلم المصدر:صحيح مسلم الجزء أو الصفحة:2492 حكم المحدث:صحيح
مقتطف من محاضرة أهم أسباب التحصيل العلمي للشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله من الدقيقة 15 الى 18